من ليس له سيف فليبِع ثوبه ويشترِ سيفاً

دُعي السيد المسيح رئيس السّلام (أش 9: 6). ولمّا بشّر الملائكة بميلاده قالوا: "وعلى الأرض السّلام" (لو 2: 14). وقال هو لتلاميذه: "السّلام أستودعكم، سلامي أعطيكم" (يو 14: 27). وقال في عظته على الجبل: "طوبى لصانعي السّلام فإنهم أبناء الله يُدعون (مت 5: 9). وأوصى رسله قائلاً: "وأيّ بيت دخلتموه فقولوا أوّلاً: السّلام لهذا البيت" (لو 10: 5). ويقول الكتاب أيضاً: "وصانعوا السّلام يزرعون بالسّلام أثمار البرّ" (يع 3: 18). وقيل عن ثمار الروح: "محبّة وفرح وسلام" (غل 5: 22).

        بعد كلّ هذا يقول السيّد المسيح: "لا تظنّوا أني جئتُ لألقي على الأرض سلاماً. لم آت لألقي سلاماً لكن سيفاً ... أتيتُ لأفرّق الإنسان عن أبيه والابنة عن أمّها والكنّة عن حماتها. وأعداء الإنسان أهل بيته" (مت 10: 34، 35). أليس في هذه الأقوال تناقض؟

        السيّد المسيح يقصد هنا السيف الذي يقع على المؤمنين به لسبب إيمانهم. وفعلاً ما أن قامت المسيحية حتى عمل فيها السيف من قبل الدولة الرومانية، ومن اليهود، ومن الفلاسفة الوثنيين، وتحقق قول المسيح: "ستأتي ساعة يظنّ فيها كلُّ من يقتلكم أنّه يقرّب لله قرباناً" (يو 16: 2). وعصر الاستشهاد الذي استمرّ حتى بداية قسطنطين الملك دليل على ذلك. كذلك حدث انقسام في البيوت بسبب إيمان بعض أعضاء الأسرة الواحدة مع بقاء الأعضاء الآخرين غير مؤمنين. وكثيراً ما كان المؤمن يواجه محاربة شديدة من أهل بيته ليرتد عن إيمانه، ولذلك قال السيد المسيح متابعاً حديثه: "أعداء الإنسان أهل بيته. مَن أحبّ أباً أو أمًّا أكثر مني لا يستحقّني ..." (مت 10: 36، 37).

        إذن كان السيّد المسيح يتحدّث عن السيف ضد الإيمان وليس السيف في المعاملات العامة، ولهذا فإن قوله: "لم آت لألقي سلاماً بل سيفاً" سبقه مباشرة قوله: مَن يُنكرني قدّام النّاس أُنكره قدّام أبي الذي في السماوات" (مت 10: 33).

        إلاّ أن الأمر قد يدخل في نطاق تطبيق المبادئ الروحيّة المسيحية. فقد يحدث انقسام بين الفتاة المسيحيّة المتديّنة وأمّها في موضوع الحشمة في الملابس والزينة. وكذلك قد يحدث الاصطدام عينه بين الابن وأبيه في موضوع خدمة الكنيسة والتكريس، أو في موضوع الصحّة والصوم وغيرها من السلوك المسيحي، فيكون أعداء الإنسان أهل بيته. أمّا من جهة المعاملات العاديّة بين الناس، فيقول المسيح في عظته على الجبل: "طوبى لصانعي السّلام فإنهم أبناء الله يُدعون" (مت 5: 9).

        فالمسيحية إذن بشكل عام تنبذ العنف أيًّا كان نوعه ما عدا في حالات نادرة سنذكرها أدناه. ولا أدلّ على ذلك من قول السيد المسيح: "لا تقاوموا الشرّير بل من لطمك على خدّك الأيمن فحوّل له الآخر." غير أن كثيراً من المسيحيين المغالين أخذوا المعنى الحرفي لهذا القول وليس روحه، وذلك خلافاً لتعليم بولس الرسول الذي حذّرنا قائلاً: "إنّ الحرف يقتل والروح يُحيي،" (2 كو 3: 6) فسلّموا أعناقهم للمعتدين ومرتكبي المجازر. فرُوح هذه الآية هو عدم مقاومة الشرّ بالشرّ ومقابلة الضربة بالضربة، وغرض المسيح في تعريض الخدّ الآخر هو إظهار نيّة الإنسان المسيحي أنه لا يريد أن يدخل في المقاومة التي تنتهي بشرور كثيرة، وهو محاولة شجاعة جريئة مدفوعة الثمن لجذب الخصم إلى السلام والكفّ عن الشرّ، وتجسيد للروح المسيحية التي تعطي الإنسان نعمة ليست من طبيعته فتُكسبه الحكمة والاتزان والصّبر ةالاحتمال، بل الحب والصلاة والبذل.

        كلّ هذا لا يعني أن يستسلم الإنسان أمام الاعتداء الصارخ الغاشم. فَمَعَ نبذ المسيحي الشديد للعنف، هنالك حالات يتوجب عليه فيها اللجوء إلى نوع من العنف وإن كان ذلك كرهاً وعلى مضض وذلك دفاعاً عن النفس. أما الذود عن الوطن فهو واجب مقدّس. وهاتان الحالتان، أي الدفاع عن النفس والذّود عن الوطن، هما من روح قول السيد المسيح: "أَعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله." ويدخل في هذا النطاق حالة الضرورة القصوى التي يتجاوز فيها الإنسان الشرّير كلّ الحدود، وحين لا تنفع الطرق الحبيّة السلمية كالنصح والإرشاد، والتحذير والإنذار المتكرر لإصلاحه، وتُستنفذ كافة الوسائل ولا يبقى إلا وسيلة العنف، عندئذٍ يتوجب استخدام العنف أُسوة بالسيّد المسيح الذي استنفذ كلّ الوسائل لإصلاح اليهود ولم يرجعوا عن غيّهم فلجأ إلى العنف ليطهّر الهيكل حيث صنع سوطاً من الحبال وطرد باعة البقر والخراف والحمام، وقلب موائد الصيارفة ونثر دراهمهم قائلاً: "مكتوب إنّ بيتي بيتَ صلاة يُدعى لجميع الأمم وأنتم جعلتموه مغارة للصوص" (لو 19: 46، مرقس 11: 17، مت 21: 13).

        أمّا في حالة الدفاع عن الوطن فعلى المسيحي أن يقوم بواجباته والتزاماته نحو وطنه بروح الاحترام والإخلاص، ومنه الخضوع لأوامر وقرارات السلطة الحاكمة (رو 13: 1-7)، فإن أُمر بحمل السلاح ذوداً عن الوطن فعليه الخضوع وخوض المعارك، سواءً أكانت الحروب التي يشترك فيها حروباً عادلة مشروعة أو حروباً غير عادلة وغير مشروعة، فالمسئولية لا تقع عليه هو بل على السلطة التي قررت الدخول في هذه الحروب، ودماء القتلى من أي طرف كان يطلبها الله من أيدي الحكّام صانعي القرار لا من يده.

        بيد أن نقّاد المسيحية، ولا سيّما غير المسيحيين، كثيراً ما يصرّحون بأن المسيحية تناقض نفسها بنفسها حين تدّعي أنها تنبذ العنف. فبرأيهم أن هناك آيات في الإنجيل تدعو إلى حمل السلاح والعنف، ويدّعون أن المسيح بذاته حثّ تلاميذه على حمل السلاح والنزول إلى ميادين الجهاد. فهم يستشهدون مثلاً بقول المسيح لتلاميذه: "من ليس له سيف فليبِع ثوبه ويشترِ سيفاً." إننا نردّ عليهم قائلين: إن السيّد المسيح لم يقصد مطلقاً السيف بمعناه المادّي الحرفي، بل قصده بمعناه الرّمزي، أي الجهاد الروحي، بدليل أنه بعد قوله هذا بساعات، عند القبض عليه، استلّ بطرس سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه. حينئذٍ قال له المسيح: "اجعل سيفك في غمده" (يو 18: 10) "لأن كلَّ مَن يأخذُ بالسيف، بالسيف يهلك" (مت 26: 51-52). فلو كان السيد المسيح يدعوهم إلى استخدام السيف ما كان منع بطرس عن استخدامه في مناسبة كهذه.

        كان السيد المسيح يكلّم تلاميذه في اللحظات الأخيرة قبيل تسليمه ليُصلب، فبدأ كلامه هكذا: "لمّا أرسلتكم بلا كيس ولا مزود ولا حذاء هل أعوزكم شيء؟ قالوا لا. فقال لهم أمّا الآن فمن له كيس فليأخذه، وكذلك من له مزود، ومن ليس له فليبِع ثوبه ويشترِ سيفاً. فإني أقول لكم إنه ينبغي أن يتمّ فيَّ أيضاً هذا المكتوب أن قد أحصي مع الأثمة" (لو 22: 35-37). وكأن المسيح يريد أن يقول لهم: حينما كنت معكم، كنتُ أنا أحفظكم بنفسي، كنتُ أنا السيف الذي يحميكم. أمّا الآن فأنا ماض لأُسلَّم إلى أيدي الخطأة وتتمّ فيَّ عبارة "وأُحصِيَ مع أثمة"، وما دمت سأفارقكم، اهتمّوا بأنفسكم وليجاهد كلٌّ منكم جهاد الروح، ويشترِ سيفاً (أي سيف الروح). وقد تحدث بولس الرسول في رسالته إلى أفسس عن سيف الروح وعن سلاح الله الكامل، ودرع البرّ، وترس الإيمان (اف 6: 11-17). وهذا ما قصده السيد المسيح: لكي تستطيعوا أن تثبتوا ضد مكائد إبليس في تلك الحروب الروحية. ولكن التلاميذ لم يفهموا المعنى الرّمزي وقتذاك، فقالوا: "ها هنا سيفان". فأجابهم: "هذا يكفي"، أي يكفي مناقشة في هذا الموضوع، فالوقت ضيّق حالياً. فالسيد المسيح لم يقصد السيفين بعبارة "هذا يكفي"، وإلاّ لكان قد قال: هذان يكفيان.

        لذلك ينبغي دوماً أن نميّز بين ما يقوله السيد المسيح بالمعنى الحرفي وما يقوله بالمعنى الرّمزي.

           

                                                الخوري الدكتور جوزيف ترزي

                                        راعي كنيسة مار يعقوب السروجي في أمريكا